Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:102
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ السِّحْرِ: سِحْرُ أصْحابِ الأوْهامِ والنَّفْسِ القَوِيَّةِ، قالُوا: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: ”أنا“ ما هو ؟ فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ هو هَذِهِ البِنْيَةُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ جِسْمٌ صارَ في هَذِهِ البِنْيَةِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: بِأنَّهُ مَوْجُودٌ ولَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجِسْمانِيٍّ. أمّا إذا قُلْنا إنَّ الإنْسانَ هو هَذِهِ البِنْيَةُ، فَلا شَكَّ أنَّ هَذِهِ البِنْيَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَّفِقَ في بَعْضِ الأعْصارِ البارِدَةِ أنْ يَكُونَ مِزاجُهُ مِزاجًا مِنَ الأمْزِجَةِ في ناحِيَةٍ مِنَ النَّواحِي يَقْتَضِي القُدْرَةَ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ والعِلْمِ بِالأُمُورِ الغائِبَةِ عَنّا والمُتَعَذِّرَةِ، وهَكَذا الكَلامُ إذا قُلْنا الإنْسانُ جِسْمٌ صارَ في هَذِهِ البِنْيَةِ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّ الإنْسانَ هو النَّفْسُ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: النُّفُوسُ مُخْتَلِفَةٌ فَيَتَّفِقُ في بَعْضِ النُّفُوسِ إنْ كانَتْ لِذاتِها قادِرَةً عَلى هَذِهِ الحَوادِثِ الغَرِيبَةِ مُطَّلِعَةً عَلى الأسْرارِ الغائِبَةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ مِمّا لَمْ تَقُمْ دَلالَةٌ عَلى فَسادِهِ سِوى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ، وقَدْ بانَ بُطْلانُها، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ وُجُوهٌ: