Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:89
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ المَبْعُوثَ يَكُونُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِكَثْرَةِ مَن جاءَ مِنَ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانُوا يُرَغِّبُونَ النّاسَ في دِينِهِ ويَدْعُونَهم إلَيْهِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا مِنَ العَرَبِ مِن نَسْلِ إسْماعِيلَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْها فَأظْهَرُوا التَّكْذِيبَ وخالَفُوا طَرِيقَهُمُ الأوَّلَ.
وثانِيها: اعْتِرافُهم بِنُبُوَّتِهِ كانَ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ زَوالَ رِياساتِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَأبَوْا وأصَرُّوا عَلى الإنْكارِ.
وثالِثُها: لَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى العَرَبِ خاصَّةً فَلا جَرَمَ كَفَرُوا بِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى كَفَّرَهم بَعْدَ ما بَيَّنَ كَوْنَهم عالِمِينَ بِنُبُوَّتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ لَيْسَ هو الجَهْلُ بِاللَّهِ تَعالى فَقَطْ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ فالمُرادُ الإبْعادُ مِن خَيْراتِ الآخِرَةِ، لِأنَّ المُبْعَدَ مِن خَيْراتِ الدُّنْيا لا يَكُونُ مَلْعُونًا. فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] وقالَ: ﴿ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] قُلْنا: العامُّ قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ عَلى أنّا بَيَّنّا فِيما قَبْلُ أنَّ لَعْنَ مَن يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.