Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:87
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أفاضَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ إنَّهم قابَلُوهُ بِالكُفْرِ والأفْعالِ القَبِيحَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ حالَ اليَهُودِ مِن قَبْلُ بِأنَّهم يُخالِفُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى في قَتْلِ أنْفُسِهِمْ وإخْراجِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ وبَيَّنَ أنَّهم بِهَذا الصَّنِيعِ اشْتَرَوُا الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، زادَ في تَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ. أمّا الكِتابُ فَهو التَّوْراةُ آتاهُ اللَّهُ إيّاها جُمْلَةً واحِدَةً، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ التَّوْراةَ لَمّا نَزَلَتْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى بِحَمْلِها فَلَمْ يُطِقْ ذَلِكَ، فَبَعَثَ اللَّهُ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنها مَلَكًا فَلَمْ يُطِيقُوا حَمْلَها فَخَفَّفَها اللَّهُ عَلى مُوسى فَحَمَلَها.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَفَّيْنا، أتْبَعْنا مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ يَأْتِي في قَفاهُ الشَّيْءُ، أيْ بَعْدَ نَحْوِ ذَنَبِهِ مِنَ الذَّنَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤] .