Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:83
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِما مُؤْمِنَيْنِ أمْ لا، ولِأنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الحُكْمَ المُرَتَّبَ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّةِ الوَصْفِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأمْرَ بِتَعْظِيمِ الوالِدَيْنِ لِمَحْضِ كَوْنِهِما والِدَيْنِ وذَلِكَ يَقْتَضِي العُمُومَ، وهَكَذا الِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما﴾ [الإسراء: ٢٣] الآيَةَ، وهَذا نِهايَةُ المُبالَغَةِ في المَنعِ مِن إيذائِهِما، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] فَصَرَّحَ بِبَيانِ السَّبَبِ في وُجُوبِ هَذا التَّعْظِيمِ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَيْفَ تَلَطَّفَ في دَعْوَةِ أبِيهِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] ثُمَّ إنَّ أباهُ كانَ يُؤْذِيهِ ويَذْكُرُ الجَوابَ الغَلِيظَ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَبَتَ مِثْلُهُ في حَقِّ هَذِهِ الأُمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] .