Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:81
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَنَقُولُ: ”لِمَن يَشاءُ“ لا يَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ صاحِبَ الصَّغِيرَةِ ولا صاحِبَ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ صاحِبَ الكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الصَّغِيرَةِ ولا عَلى الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُهُ تَفَضُّلًا لا أنَّهُ لا يَغْفِرُهُ اسْتِحْقاقًا دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ والسَّمْعُ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ ويَتَفَضَّلُ بِغُفْرانِ ما دُونَ ذَلِكَ الشِّرْكِ حَتّى يَكُونَ النَّفْيُ والإثْباتُ مُتَوَجِّهَيْنِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قالَ: فُلانٌ لا يَتَفَضَّلُ بِمِائَةِ دِينارٍ ويُعْطِي ما دُونَها لِمَنِ اسْتَحَقَّ لَمْ يَكُنْ كَلامًا مُنْتَظِمًا، ولَمّا كانَ غُفْرانُ صاحِبِ الصَّغِيرَةِ وصاحِبِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مُسْتَحَقًّا امْتَنَعَ كَوْنُهُما مُرادَيْنِ بِالآيَةِ.