Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:81
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
عِقابُهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَمَّنْ يَحْسُنُ عِقابُهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ باطِلٌ لِأنَّهُ تَعالى يَذْكُرُ صِفَةَ المَغْفِرَةِ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ عَلى العِبادِ ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى الأوَّلِ لَمْ يَبْقَ هَذا المَعْنى لِأنَّ تَرْكَ القَبِيحِ لا يَكُونُ مِنَّةً عَلى العَبْدِ بَلْ كَأنَّهُ أحْسَنَ إلى نَفْسِهِ فَإنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لاسْتَحَقَّ الذَّمَّ واللَّوْمَ والخُرُوجَ عَنْ حَدِّ الإلَهِيَّةِ فَهو بِتَرْكِ القَبائِحِ لا يَسْتَحِقُّ الثَّناءَ مِنَ العَبْدِ ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي وهو المَطْلُوبُ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ حَمْلُ العَفْوِ والمَغْفِرَةِ عَلى تَأْخِيرِ العِقابِ مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ العَفْوَ مُسْتَعْمَلٌ في تَأْخِيرِ العَذابِ عَنِ الدُّنْيا قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ اليَهُودِ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢] والمُرادُ لَيْسَ إسْقاطَ العِقابِ، بَلْ تَأْخِيرَهُ إلى الآخِرَةِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] أيْ ما يُعَجِّلُ اللَّهُ تَعالى مِن مَصائِبِ عِقابِهِ إمّا عَلى جِهَةِ المِحْنَةِ أوْ عَلى جِهَةِ العُقُوبَةِ المُعَجَّلَةِ فَبِذُنُوبِكم ولا يُعَجِّلُ المِحْنَةَ والعِقابَ عَلى كَثِيرٍ مِنها، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] أيْ لَوْ شاءَ إهْلاكَهُنَّ لَأهْلَكَهُنَّ ولا يُهْلِكُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ.