Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:81
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الأُولى: الآياتُ الدّالَّةُ عَلى كَوْنِ اللَّهِ تَعالى عَفُوًّا غَفُورًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] وأيْضًا أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ عِبادِهِ وأجْمَعُوا عَلى أنَّ مِن جُمْلَةِ أسْمائِهِ العَفُوَّ فَنَقُولُ: العَفْوُ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَمَّنْ يَحْسُنُ عِقابُهُ أوْ عَمَّنْ لا يَحْسُنُ عِقابُهُ، وهَذا القِسْمُ الثّانِي باطِلٌ، لِأنَّ عِقابَ مَن لا يَحْسُنُ عِقابُهُ قَبِيحٌ، ومَن تَرَكَ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ لا يُقالُ: إنَّهُ عَفا، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذا لَمْ يَظْلِمْ أحَدًا لا يُقالُ: أنَّهُ عَفا عَنْهُ، إنَّما يُقالُ لَهُ: عَفا إذا كانَ لَهُ أنْ يُعَذِّبَهُ فَتَرَكَهُ ولِهَذا قالَ: ﴿وأنْ تَعْفُوا أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [البقرة: ٢٣٧] ولِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]، فَلَوْ كانَ العَفْوُ عِبارَةً عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَنِ التّائِبِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، فَعَلِمْنا أنَّ العَفْوَ عِبارَةٌ عَنْ إسْقاطِ العِقابِ عَمَّنْ يَحْسُنُ عِقابُهُ وذَلِكَ هو مَذْهَبُنا.