Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:81
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: وهو أنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ لَوْ أفادَتِ العُمُومَ إفادَةً قَطْعِيَّةً لاسْتَحالَ إدْخالُ لَفْظِ التَّأْكِيدِ عَلَيْها، لِأنَّ تَحْصِيلَ الحاصِلِ مُحالٌ فَحَيْثُ حَسُنَ إدْخالُ هَذِهِ الألْفاظِ عَلَيْها عَلِمْنا أنَّها لا تُفِيدُ مَعْنى العُمُومِ لا مَحالَةَ، سَلَّمْنا أنَّها تُفِيدُ مَعْنى [ العُمُومِ ] ولَكِنْ إفادَةً قَطْعِيَّةً أوْ ظَنِّيَّةً ؟ الأوَّلُ: مَمْنُوعٌ وباطِلٌ قَطْعًا لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أنَّ النّاسَ كَثِيرًا ما يُعَبِّرُونَ عَنِ الأكْثَرِ بِلَفْظِ الكُلِّ والجَمِيعِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فَإذا كانَتْ هَذِهِ الألْفاظُ تُفِيدُ مَعْنى العُمُومِ إفادَةً ظَنِّيَّةً، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَيْسَتْ مِنَ المَسائِلِ الظَّنِّيَّةِ لَمْ يَجُزِ التَّمَسُّكُ فِيها بِهَذِهِ العُمُوماتِ، سَلَّمْنا أنَّها تُفِيدُ مَعْنى العُمُومِ إفادَةً قَطْعِيَّةً ولَكِنْ لا بُدَّ مِنِ اشْتِراطِ أنْ لا يُوجَدَ شَيْءٌ مِنَ المُخَصِّصاتِ، فَإنَّهُ لا نِزاعَ في جَوازِ تَطَرُّقِ التَّخْصِيصِ إلى العامِّ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنَ المُخَصِّصاتِ ؟ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: بَحَثْنا فَلَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنَ المُخَصِّصاتِ لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ الوِجْدانِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُودِ. وإذا كانَتْ إفادَةُ هَذِهِ الألْفاظِ لِمَعْنى الِاسْتِغْراقِ مُتَوَقِّفَةً عَلى نَفْيِ المُخَصِّصاتِ وهَذا الشَّرْطُ غَيْرُ مَعْلُومٍ كانَتِ الدَّلالَةُ مَوْقُوفَةً عَلى شَرْطٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، فَوَجَبَ أنْ لا تَحْصُلَ الدَّلالَةُ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا المَقامَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] حَكَمَ عَلى كُلِّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ إنّا شاهَدْنا قَوْمًا مِنهم قَدْ آمَنُوا فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ: