Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:81
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣] ولا شُبْهَةَ في أنَّ المُرادَ بِهِ الحُدُودُ المَذْكُورَةُ، ثُمَّ عَلَّقَ بِالطّاعَةِ فِيها الوَعْدَ وبِالمَعْصِيَةِ فِيها الوَعِيدَ، فاقْتَضى سِياقُ الآيَةِ أنَّ الوَعِيدَ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْصِيَةِ في هَذِهِ الحُدُودِ فَقَطْ دُونَ أنْ يَضُمَّ إلى ذَلِكَ تَعَدِّي حُدُودٍ أُخَرَ، ولِهَذا كانَ مَزْجُورًا بِهَذا الوَعِيدِ في تَعَدِّي هَذِهِ الحُدُودِ فَقَطْ ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُرادًا بِهَذا الوَعِيدِ لَما كانَ مَزْجُورًا بِهِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ المُؤْمِنَ مُرادٌ بِها كالكافِرِ بَطَلَ قَوْلُ مَن يَخُصُّها بِالكافِرِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ [النساء: ١٤] جَمْعٌ مُضافٌ والجَمْعُ المُضافُ عِنْدَكم يُفِيدُ العُمُومَ، كَما لَوْ قِيلَ: ضَرَبْتُ عَبِيدِي، فَإنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ شامِلًا لِجَمِيعِ عَبِيدِهِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ اخْتَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَن تَعَدّى جَمِيعَ حُدُودِ اللَّهِ وذَلِكَ هو الكافِرُ لا مَحالَةَ دُونَ المُؤْمِنِ، قُلْنا: الأمْرُ وإنْ كانَ كَما ذَكَرْتُمْ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ لَكِنَّهُ وُجِدَتْ قَرائِنُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ هَهُنا تَعَدِّي جَمِيعِ الحُدُودِ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ فانْصَرَفَ قَوْلُهُ: ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ إلى تِلْكَ الحُدُودِ.