Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:76-77
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّهم ما عَلِمُوا بِذَلِكَ فَرَغَّبَهم بِهَذا القَوْلِ في أنْ يَتَفَكَّرُوا فَيَعْرِفُوا أنَّ لَهم رَبًّا يَعْلَمُ سِرَّهم وعَلانِيَتَهم وأنَّهم لا يَأْمَنُونَ حُلُولَ العِقابِ بِسَبَبِ نِفاقِهِمْ، وعَلى القَوْلَيْنِ جَمِيعًا، فَهَذا الكَلامُ زَجْرٌ لَهم عَنِ النِّفاقِ، وعَنْ وصِيَّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِكِتْمانِ دَلائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ. والأقْرَبُ أنَّ اليَهُودَ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ كانُوا عالِمِينَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَكادُ يُقالُ عَلى طَرِيقِ الزَّجْرِ: أوَلا يَعْلَمُ كَيْتَ وكَيْتَ، إلّا وهو عالِمٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ زاجِرًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ، وقالَ بَعْضُهم: هَؤُلاءِ اليَهُودُ كَيْفَ يَسْتَجِيزُونَ أنْ يُسِرَّ إلى إخْوانِهِمُ النَّهْيَ عَنْ إظْهارِ دَلائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهم لَيْسُوا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ اللَّهَ ولا يَعْلَمُونَ كَوْنَهُ عالِمًا بِالسِّرِّ والعَلانِيَةِ، فَشَأْنُهم مِن هَذِهِ الجِهَةِ أعْجَبُ.
قالَ القاضِي: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى إنْ كانَ هو الخالِقَ لِأفْعالِ العِبادِ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَزْجُرَهم عَنْ تِلْكَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
وثانِيها: أنَّها تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحِجاجِ والنَّظَرِ وأنَّ ذَلِكَ كانَ طَرِيقَةَ الصَّحابَةِ والمُؤْمِنِينَ وأنَّ ذَلِكَ كانَ ظاهِرًا عِنْدَ اليَهُودِ حَتّى قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ما قالُوهُ.