Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:74
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ وهو أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الحِجارَةِ، وأنَّ الحِجارَةَ لا تَعْقِلُ ولا تَفْهَمُ، وذَكَرُوا عَلى هَذا القَوْلِ أنْواعًا مِنَ التَّأْوِيلِ:
الأوَّلُ: أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَتَرَدّى مِنَ المَوْضِعِ العالِي الَّذِي يَكُونُ فِيهِ فَيَنْزِلُ إلى أسْفَلَ وهَؤُلاءِ الكُفّارُ مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ والتَّكَبُّرِ، فَكَأنَّ الهُبُوطَ مِنَ العُلُوِّ جُعِلَ مَثَلًا لِلِانْقِيادِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، أيْ ذَلِكَ الهُبُوطُ لَوْ وُجِدَ مِنَ العاقِلِ المُخْتارِ لَكانَ بِهِ خاشِيًا لِلَّهِ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ﴾ [الكَهْفِ: ٧٧]، أيْ جِدارًا قَدْ ظَهَرَ فِيهِ مِنَ المَيَلانِ ومُقارَبَةِ السُّقُوطِ ما لَوْ ظَهَرَ مَثَلُهُ في حَيٍّ مُخْتارٍ لَكانَ مُرِيدًا لِلِانْقِضاضِ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
بَخِيلٌ تَضِلُّ البُلْقُ مِن حُجُراتِهِ ∗∗∗ تَرى الأُكْمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
وقَوْلُ جَرِيرٍ:
لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَضَعْضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
فَجَعَلَ الأوَّلَ ما ظَهَرَ في الأُكْمِ مِن أثَرِ الحَوافِرِ مَعَ عَدَمِ امْتِناعِها مِن دَفْعِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِها كالسُّجُودِ مِنها لِلْحَوافِرِ، وكَذَلِكَ الثّانِي: جَعَلَ ما ظَهَرَ في أهْلِ المَدِينَةِ مِن آثارِ الجَزَعِ كالخُشُوعِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ تَأوَّلَ أهْلُ
صفحة ١٢١