Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:74
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: قَوْلُ جَمْعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الحِجارَةِ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الحِجارَةَ لَيْسَتْ حَيَّةً عاقِلَةً، بَيانُهُ أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ جَبَلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ تَقَطَّعَ وتَجَلّى لَهُ رَبُّهُ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَلَقَ فِيهِ الحَياةَ والعَقْلَ والإدْراكَ، وهَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ في قُدْرَةِ اللَّهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ٢١]، فَكَما جُعِلَ الجِلْدُ يَنْطِقُ ويَسْمَعُ ويَعْقِلُ، فَكَذَلِكَ الجَبَلُ وصَفَهُ بِالخَشْيَةِ، وقالَ أيْضًا: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحَشْرِ: ٢١]، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى لَوْ جَعَلَ فِيهِ العَقْلَ والفَهْمَ لَصارَ كَذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّهُ حَنَّ الجِذْعُ لِصُعُودِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المِنبَرَ، ورُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ لَمّا أتاهُ الوَحْيُ في أوَّلِ المَبْعَثِ وانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ إلى مَنزِلِهِ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ الأحْجارُ والأشْجارُ، فَكُلُّها كانَتْ تَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ»، قالُوا: فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يُخْلَقَ في بَعْضِ الأحْجارِ عَقْلٌ وفَهْمٌ حَتّى تَحْصُلَ الخَشْيَةُ فِيهِ، وأنْكَرَتِ المُعْتَزِلَةُ هَذا التَّأْوِيلَ لَما أنَّ عِنْدَهُمُ البِنْيَةَ واعْتِدالَ المِزاجِ شَرْطُ قَبُولِ الحَياةِ والعَقْلِ، ولا دَلالَةَ لَهم عَلى اشْتِراطِ البِنْيَةِ إلّا مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ، فَوَجَبَ أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِمْ.