Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:73
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَتَلَ الباغِيَ فَإنَّهُ يَرِثُهُ، وكَذا القاتِلُ إذا كانَ صَبِيًّا أوْ مَجْنُونًا يَرِثُهُ لا مِن دِيَتِهِ ولا مِن سائِرِ أمْوالِهِ، هو قَوْلُ عَلِيٍّ وعُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: قاتِلُ الخَطَأِ يَرِثُ وقاتِلُ العَمْدِ لا يَرِثُ، وقالَ مالِكٌ: لا يَرِثُهُ مِن دِيَتِهِ ويَرِثُهُ مِن سائِرِ أمْوالِهِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والزُّهْرِيِّ والأوْزاعِيِّ، واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِعُمُومِ الخَبَرِ المَشْهُورِ المُسْتَفِيضِ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«لَيْسَ لِلْقاتِلِ مِنَ المِيراثِ شَيْءٌ» “ إلّا أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِهَذا الخَبَرِ إنَّما يَصِحُّ لَوْ جَوَّزْنا تَخْصِيصَ عُمُومِ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ، والكَلامُ فِيهِ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، ثُمَّ هاهُنا دَقِيقَةٌ وهي أنَّ تَطَرُّقَ التَّخْصِيصِ إلى العامِّ يُفِيدُ نَوْعَ ضَعْفٍ فَلَوْ خَصَّصْنا هَذا الخَبَرَ بِبَعْضِ الصُّوَرِ فَحِينَئِذٍ يَتَوالى عَلَيْهِ أسْبابُ الضَّعْفِ، فَإنَّ كَوْنَهُ خَبَرَ واحِدٍ يُوجِبُ الضَّعْفَ، وكَوْنَهُ عَلى مُصادَمَةِ الكِتابِ سَبَبٌ آخَرُ، وكَوْنَهُ مَخْصُوصًا سَبَبٌ آخَرُ، فَلَوْ خَصَّصْنا عُمُومَ الكِتابِ بِهِ لَكُنّا قَدْ رَجَّحْنا الضَّعِيفَ جِدًّا عَلى القَوِيِّ جِدًّا. أمّا إذا لَمْ يُخَصَّصْ هَذا الخَبَرُ ألْبَتَّةَ انْدَفَعَ عَنْهُ بَعْضُ أسْبابِ الضَّعْفِ فَحِينَئِذٍ لا يَبْعُدُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الكِتابِ بِهِ. واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى أنَّ العادِلَ إذا قَتَلَ الباغِيَ فَإنَّهُ لا يَصِيرُ مَحْرُومًا عَنِ المِيراثِ بِأنّا لا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ مَن وجَبَ لَهُ القَوَدُ عَلى إنْسانٍ فَقَتَلَهُ قَوَدًا أنَّهُ لا يُحْرَمُ مِنَ المِيراثِ، واعْلَمْ أنَّ الشّافِعِيَّةَ يَمْنَعُونَ هَذِهِ الصُّورَةَ واللَّهُ أعْلَمُ.