Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:71
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البَحْثُ الرّابِعُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في هَذِهِ الصُّورَةِ إلّا مُجَرَّدُ الأمْرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّ التَّثاقُلَ فِيهِ والتَّكاسُلَ في الِاشْتِغالِ بِمُقْتَضاهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ. قالَ القاضِي: إذا كانَ الغَرَضُ مِنَ المَأْمُورِ إزالَةَ شَرٍّ وفِتْنَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلى وُجُوبِهِ وإنَّما أمَرَ تَعالى بِذَبْحِها لِكَيْ يَظْهَرَ القاتِلُ فَتَزُولَ الفِتْنَةُ والشَّرُّ المُخَوِّفُ فِيهِمْ، والتَّحَرُّزُ عَنْ هَذا الجِنْسِ الضّارِّ واجِبٌ، فَلَمّا كانَ العِلاجُ إزالَتَهُ بِهَذا الفِعْلِ صارَ واجِبًا، فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنَّ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ أنَّ التَّعَبُّدَ بِالقُرْبانِ لا يَكُونُ إلّا سَبِيلَ الوُجُوبِ، فَلَمّا تَقَدَّمَ عِلْمُهم بِذَلِكَ كَفاهم مُجَرَّدُ الأمْرِ. وأقُولُ: حاصِلُ هَذَيْنِ السُّؤالَيْنِ يَرْجِعُ إلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنّا وإنْ كُنّا لا نَقُولُ إنَّ الأمْرَ يَقْتَضِي الوُجُوبَ فَلا نَقُولُ: إنَّهُ يُنافِي الوُجُوبَ أيْضًا فَلَعَلَّهُ فَهِمَ الوُجُوبَ هاهُنا بِسَبَبٍ آخَرَ سِوى الأمْرِ، وذَلِكَ السَّبَبُ المُنْفَصِلُ إمّا قَرِينَةٌ حالِيَّةٌ وهي العِلْمُ بِأنَّ دَفْعَ المَضارِّ واجِبٌ، أوْ مَقالِيَّةٌ وهي ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ مِن أنَّ القُرْبانَ لا يَكُونُ مَشْرُوعًا إلّا عَلى وجْهِ الوُجُوبِ.