Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:67-68
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّ المُلاعَبَةَ عَلى الأنْبِياءِ جائِزَةٌ فَلَعَلَّهم ظَنُّوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يُلاعِبُهم مُلاعَبَةً حَقَّةً، وذَلِكَ لا يُوجِبُ الكُفْرَ.
الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ أيْ ما أعْجَبَ هَذا الجَوابَ كَأنَّكَ تَسْتَهْزِئُ بِنا لا أنَّهم حَقَّقُوا عَلى مُوسى الِاسْتِهْزاءَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الِاشْتِغالَ بِالِاسْتِهْزاءِ لا يَكُونُ إلّا بِسَبَبِ الجَهْلِ، ومَنصِبُ النُّبُوَّةِ لا يَحْتَمِلُ الإقْدامَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، فَلَمْ يَسْتَعِذْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن نَفْسِ الشَّيْءِ الَّذِي نَسَبُوهُ إلَيْهِ، لَكِنَّهُ اسْتَعاذَ مِنَ السَّبَبِ المُوجِبِ لَهُ كَما قَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ عِنْدَ مِثْلِ ذَلِكَ: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن عَدَمِ العَقْلِ وغَلَبَةِ الهَوى، والحاصِلُ أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ مَجازًا. هَذا هو الوَجْهُ الأقْوى.
وثانِيها: أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ بِما في الِاسْتِهْزاءِ في أمْرِ الدِّينِ مِنَ العِقابِ الشَّدِيدِ والوَعِيدِ العَظِيمِ، فَإنِّي مَتى عَلِمْتُ ذَلِكَ امْتَنَعَ إقْدامِي عَلى الِاسْتِهْزاءِ.
وثالِثُها: قالَ بَعْضُهم: إنَّ نَفْسَ الهُزْءِ قَدْ يُسَمّى جَهْلًا وجَهالَةً، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّ الجَهْلَ ضِدُّ الحِلْمِ كَما قالَ بَعْضُهم إنَّهُ ضِدُّ العِلْمِ.