Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:61
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ ذَمَّهم عَلى مُجَرَّدِ القَتْلِ لَقالُوا: ألَيْسَ أنَّ اللَّهَ يَقْتُلُهم ولَكِنَّهُ تَعالى قالَ: القَتْلُ الصّادِرُ مِنَ اللَّهِ قَتْلٌ بِحَقٍّ ومِن غَيْرِ اللَّهِ قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ فَهو تَأْكِيدٌ بِتَكْرِيرِ الشَّيْءِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الأوَّلِ وهو بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ وقَدِ احْتَمَلَ مِنهُ ذُنُوبًا سَلَفَتْ مِنهُ فَعاقَبَهُ عِنْدَ آخِرِها: هَذا بِما عَصَيْتَنِي وخالَفْتَ أمْرِي، هَذا بِما تَجَرَّأْتَ عَلَيَّ واغْتَرَرْتَ بِحِلْمِي، وهَذا بِكَذا؛ فَيُعِدُّ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ تَبْكِيتًا.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ الظُّلْمُ: أيْ تَجاوَزُوا الحَقَّ إلى الباطِلِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إنْزالَ العُقُوبَةِ بِهِمْ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ فَبَدَأ أوَّلًا بِما فَعَلُوهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى وهو جَهْلُهم بِهِ وجَحْدُهم لِنِعَمِهِ ثُمَّ ثَنّاهُ بِما يَتْلُوهُ في العِظَمِ وهو قَتْلُ الأنْبِياءِ ثُمَّ ثَلَّثَهُ بِما يَكُونُ مِنهم مِنَ المَعاصِي الَّتِي تَخُصُّهم ثُمَّ رَبَّعَ بِما يَكُونُ مِنهم مِنَ المَعاصِي المُتَعَدِّيَةِ إلى الغَيْرِ مِثْلَ الِاعْتِداءِ والظُّلْمِ، وذَلِكَ في نِهايَةِ حُسْنِ التَّرْتِيبِ.