Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:61
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا الثّانِي: فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٢١] فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى دَوامِ تِلْكَ النَّدْبِيَّةِ.
وأمّا الثّالِثُ: وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ مَعْناهُ ولا تَرْجِعُوا إلى مِصْرَ بَلْ فِيهِ وجْهانِ آخَرانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ لا تَعْصُوا فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ إذِ العَرَبُ تَقُولُ لِمَن عَصى فِيما يُؤْمَرُ بِهِ: ارْتَدَّ عَلى عَقِبِهِ، والمُرادُ مِن هَذا العِصْيانِ أنْ يُنْكِرَ أنْ يَكُونَ دُخُولُ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ أوْلى.
الثّانِي: أنْ يُخَصَّصَ ذَلِكَ النَّهْيُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَقَطْ. قُلْنا: ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَيَتِمُّ دَلِيلُنا بِناءً عَلى هَذا الأصْلِ، وأيْضًا فَهَبْ أنَّهُ لِلنَّدْبِ ولَكِنَّ الإذْنَ في تَرْكِهِ يَكُونُ إذْنًا في تَرْكِ المَندُوبِ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ.
قَوْلُهُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَرْتَدُّوا﴾ لا تَرْجِعُوا. قُلْنا: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا أمَرَ بِدُخُولِ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٢١] تَبادَرَ إلى الفَهْمِ أنَّ هَذا النَّهْيَ يَرْجِعُ إلى ما تَعَلَّقَ بِهِ ذَلِكَ الأمْرُ.
قَوْلُهُ: أنْ يُخَصَّصَ ذَلِكَ النَّهْيُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، قُلْنا: التَّخْصِيصُ خِلافُ الظّاهِرِ. أمّا أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ فَإنَّهُ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِصْرَ فِرْعَوْنَ واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: