Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:61
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وعَنِ الثّالِثِ: بِقَرِيبٍ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ خَيْرٌ مِن حَيْثُ كانَ الِانْتِفاعُ بِهِ حاضِرًا مُتَيَقَّنًا ومِن حَيْثُ إنَّهُ يَحْصُلُ عَفْوًا بِلا كَدٍّ كَما يُقالُ ذَلِكَ في الحاضِرِ، فَقَدْ يُقالُ في الغائِبِ المَشْكُوكِ فِيهِ: إنَّهُ أدْنى مِن حَيْثُ لا يُتَيَقَّنُ ومِن حَيْثُ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا بِالكَدِّ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ هَذا المَعْنى أوْ بَعْضُهُ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ السُّؤالَ ما كانَ مَعْصِيَةً بَلْ كانَ سُؤالًا مُباحًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِما تَقَدَّمَ بَلْ لِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما ضَرَبَ الذِّلَّةَ
صفحة ٩٣
والمَسْكَنَةَ عَلَيْهِمْ وجَعَلَهم مَحَلَّ الغَضَبِ والعِقابِ مِن حَيْثُ كانُوا يَكْفُرُونَ لا لِأنَّهم سَألُوا ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ واحِدٌ في النَّوْعِ بَلْ أنَّهُ واحِدٌ في النَّهْجِ وهو كَما يُقالُ: إنَّ طَعامَ فُلانٍ عَلى مائِدَتِهِ طَعامٌ واحِدٌ إذا كانَ لا يَتَغَيَّرُ عَنْ نَهْجِهِ.