Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:59
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: وهو قَوْلُ القاضِي: المَعْنى أنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أمَرَهم بِدُخُولِ البابِ عَلى وجْهِ الخُضُوعِ أمَرَهم بِأنْ يَقُولُوا ما يَدُلُّ عَلى التَّوْبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّوْبَةَ صِفَةُ القَلْبِ، فَلا يَطَّلِعُ الغَيْرُ عَلَيْها، فَإذا اشْتَهَرَ واحِدٌ بِالذَّنْبِ ثُمَّ تابَ بَعْدَهُ لَزِمَهُ أنْ يَحْكِيَ تَوْبَتَهُ لِمَن شاهَدَ مِنهُ الذَّنْبَ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِهِ، إذِ الأخْرَسُ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ وإنْ لَمْ يُوجَدْ مِنهُ الكَلامُ بَلْ لِأجْلِ تَعْرِيفِ الغَيْرِ عُدُولَهُ عَنِ الذَّنْبِ إلى التَّوْبَةِ، ولِإزالَةِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وكَذَلِكَ مَن عُرِفُ بِمَذْهَبٍ خَطَأٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الحَقَّ فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ أنْ يُعَرِّفَ إخْوانَهُ الَّذِينَ عَرَفُوهُ بِالخَطَأِ عُدُولَهُ عَنْهُ، لِتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ في الثَّباتِ عَلى الباطِلِ ولِيَعُودُوا إلى مُوالاتِهِ بَعْدَ مُعاداتِهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ألْزَمَ اللَّهُ تَعالى بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ الخُضُوعِ الَّذِي هو صِفَةُ القَلْبِ أنْ يَذْكُرُوا اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى تِلْكَ التَّوْبَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فالحاصِلُ أنَّهُ أمَرَ القَوْمَ بِأنْ يَدْخُلُوا البابَ عَلى وجْهِ الخُضُوعِ وأنْ يَذْكُرُوا بِلِسانِهِمُ التِماسَ حَطِّ الذُّنُوبَ حَتّى يَكُونُوا جامِعِينَ بَيْنَ نَدَمِ القَلْبِ وخُضُوعِ الجَوارِحِ والِاسْتِغْفارِ بِاللِّسانِ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ الوُجُوهِ وأقْرَبُها إلى التَّحْقِيقِ.