Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ القَتْلَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ المُزْهِقِ لِلرُّوحِ في الحالِ بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ الفِعْلِ المُؤَدِّي إلى الزُّهُوقِ إمّا في الحالِ أوْ بَعْدَهُ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ لَوْ حَلَفَ أنْ لا يَقْتُلُ إنْسانًا فَجَرَحَهُ جِراحَةً عَظِيمَةً وبَقِيَ بَعْدَ تِلْكَ الجِراحَةِ حَيًّا لَحْظَةً واحِدَةً ثُمَّ ماتَ فَإنَّهُ يَحْنَثُ في يَمِينِهِ وتُسَمِّيهِ كُلُّ أهْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ قاتِلًا، والأصْلُ في الِاسْتِعْمالِ الحَقِيقَةُ فَدَلَّ عَلى أنَّ اسْمَ القَتْلِ اسْمُ الفِعْلِ المُؤَدِّي إلى الزُّهُوقِ سَواءٌ أدّى إلَيْهِ في الحالِ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ وأنْتَ سَلَّمْتَ جَوازَ وُرُودِ الأمْرِ بِالجِراحَةِ الَّتِي لا تَسْتَعْقِبُ الزُّهُوقَ في الحالِ وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ جَوازُ أنْ يُرادَ الأمْرُ بِأنْ يَقْتُلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ، سَلَّمْنا أنَّ القَتْلَ اسْمُ الفِعْلِ المُزْهِقِ لِلرُّوحِ في الحالِ فَلِمَ لا يَجُوزُ وُرُودُ الأمْرِ بِهِ ؟ قَوْلُهُ: لا بُدَّ في وُرُودِ الأمْرِ بِهِ مِن مَصْلَحَةٍ اسْتِقْبالِيَّةٍ، قُلْنا: أوَّلًا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا بُدَّ فِيهِ مِن مَصْلَحَةٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ أمَرَ مَن يَعْلَمُ كَفْرَهُ بِالإيمانِ ولا مَصْلَحَةَ في ذَلِكَ إذْ لا فائِدَةَ مِن ذَلِكَ التَّكْلِيفِ إلّا حُصُولُ العِقابِ، سَلَّمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَصْلَحَةٍ ولَكِنْ لِمَ قُلْتَ إنَّهُ لا بُدَّ مِن عَوْدِ تِلْكَ المَصْلَحَةِ إلَيْهِ، ولِمَ لا يَجُوزُ أنَّ قَتْلَهُ نَفْسَهُ مَصْلَحَةٌ لِغَيْرِهِ فاللَّهُ تَعالى أمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ ذَلِكَ الغَيْرُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُوَصِّلُ العِوَضَ العَظِيمَ إلَيْهِ. سَلَّمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن عَوْدِ المُصْلَحَةِ إلَيْهِ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ عِلْمَهُ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الفِعْلِ مَصْلَحَةٌ لَهُ، مِثْلُ أنَّهُ لَمّا أمَرَ بِأنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ غَدًا فَإنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ يَصِيرُ داعِيًا لَهُ إلى تَرْكِ القَبائِحِ مِن ذَلِكَ الزَّمانِ إلى وُرُودِ الغَدِ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ مُمْكِنَةً سَقَطَ ما قالَ القاضِي، بَلِ الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ أقْوى، وعَلى هَذا يَجِبُ صَرْفُ الآيَةِ عَنْ ظاهِرِها، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: