Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ التَّوْبَةِ مُفَسَّرَةً بِقَتْلِ النَّفْسِ كَما أنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أحَدِكم حَتّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَواضِعَهُ فَيَغْسِلَ وجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ» “، يَقْتَضِي أنَّ وضْعَ الطَّهُورِ مَواضِعَهُ بِغَسْلِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ ولَكِنَّ ذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ التَّوْبَةَ عِبارَةٌ عَنِ النَّدَمِ عَلى الفِعْلِ القَبِيحِ الَّذِي مَضى والعَزْمِ عَلى أنْ لا يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وذَلِكَ مُغايِرٌ لِقَتْلِ النَّفْسِ وغَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لَهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ تَفْسِيرُهُ بِهِ ؟ .
والجَوابُ لَيْسَ المُرادُ تَفْسِيرَ التَّوْبَةِ بِقَتْلِ النَّفْسِ بَلْ بَيانَ أنَّ تَوْبَتَهم لا تَتِمُّ ولا تَحْصُلُ إلّا بِقَتْلِ النَّفْسِ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ شَرْطَ تَوْبَتِهِمْ قَتْلُ النَّفْسِ كَما أنَّ القاتِلَ عَمْدًا لا تَتِمُّ تَوْبَتُهُ إلّا بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ حَتّى يَرْضى أوْلِياءُ المَقْتُولِ أوْ يَقْتُلُوهُ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مِن شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ تَوْبَةَ المُرْتَدِّ لا تَتِمُّ إلّا بِالقَتْلِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ شَرْطُ الشَّيْءِ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَجازًا كَما يُقالُ لِلْغاصِبِ إذا قَصَدَ التَّوْبَةَ: إنَّ تَوْبَتَكَ رَدُّ ما غَصَبْتَ يَعْنِي أنَّ تَوْبَتَكَ لا تَتِمُّ إلّا بِهِ فَكَذا هاهُنا.