Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:51-52
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّ العَفْوَ اسْمٌ لِإسْقاطِ العِقابِ المُسْتَحَقِّ فَأمّا إسْقاطُ ما يَجِبُ إسْقاطُهُ فَذاكَ لا يُسَمّى عَفْوًا، ألا تَرى أنَّ الظّالِمَ لَمّا لَمْ يَجُزْ لَهُ تَعْذِيبُ المَظْلُومِ، فَإذا تُرِكَ ذَلِكَ العَذابُ لا يُسَمّى ذَلِكَ التَّرْكُ عَفْوًا فَكَذا هاهُنا، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ لا شَكَّ في حُصُولِ التَّوْبَةِ في هَذِهِ الصُّورَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٤] وإذا كانَ كَذَلِكَ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ثَبَتَ أيْضًا أنَّهُ تَعالى قَدْ أسْقَطَ عِقابَ مَن يَجُوزُ عِقابُهُ عَقْلًا وشَرْعًا، وذَلِكَ أيْضًا خِلافُ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى عَفا عَنْ كُفّارِ قَوْمِ مُوسى فَلَأنْ يَعْفُوَ عَنْ فُسّاقِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ أنَّهم: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١١٠] كانَ أوْلى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في تَفْسِيرِ ”لَعَلَّ“ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] وأمّا الكَلامُ في حَقِيقَةِ الشُّكْرِ وماهِيَّتِهِ فَطَوِيلٌ وسَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما عَفا عَنْهم ولَمْ يُؤاخِذْهم لِكَيْ يَشْكُرُوا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ مِنهم إلّا الشُّكْرَ.