Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:50
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا شاهَدَ فَلْقَ البَحْرِ وكانَ عاقِلًا فَلا بُدَّ وأنْ يَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ مِن فِعْلِهِ بَلْ لا بُدَّ مِن قادِرٍ عالَمٍ مُخالِفٍ لِسائِرِ القادِرِينَ، فَكَيْفَ بَقِيَ عَلى الكُفْرِ مَعَ ذَلِكَ ؟ فَإنْ قُلْتَ: إنَّهُ كانَ عارِفًا بِرَبِّهِ إلّا أنَّهُ كانَ كافِرًا عَلى سَبِيلِ العِنادِ والجُحُودِ. قُلْتُ: فَإذا عَرَفَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ فَكَيْفَ اسْتَخارَ تَوْرِيطَ نَفْسِهِ في المَهْلَكَةِ ودُخُولِ البَحْرِ مَعَ أنَّهُ كانَ في تِلْكَ السّاعَةِ كالمُضْطَرِّ إلى العِلْمِ بِوُجُودِ الصّانِعِ وصِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والجَوابُ: حُبُّ الشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ فَحُبُّهُ الجاهَ والتَّلْبِيسَ حَمَلَهُ عَلى اقْتِحامِ تِلْكَ المَهْلَكَةِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّكم تَرَوْنَ التِطامَ أمْواجِ البَحْرِ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
وثانِيها: أنَّ قَوْمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَألُوهُ أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ تَعالى حالَهم فَسَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهم إيّاهم فَلَفَظَهُمُ البَحْرُ ألْفَ ألْفِ ومِائَتَيْ ألْفِ نَفْسٍ وفِرْعَوْنُ مَعَهم، فَنَظَرُوا إلَيْهِمْ طافِينَ وإنَّ البَحْرَ لَمْ يَقْبَلْ واحِدًا مِنهم لِشُؤْمِ كُفْرِهِمْ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يُونُسَ: ٩٢] أيْ نُخْرِجُكَ مِن مَضِيقِ البَحْرِ إلى سَعَةِ الفَضاءِ لِيَراكَ النّاسُ، وتَكُونَ عِبْرَةً لَهم.