Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:48
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وسابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦] فاللَّهُ تَعالى أمَرَ الكُلَّ بِأنَّهم إذا حَيّاهم أحَدٌ بِتَحِيَّةٍ أنْ يُقابِلُوا تِلْكَ التَّحِيَّةَ بِأحْسَنَ مِنها أوْ يَرُدُّوها، ثُمَّ أمَرَنا بِتَحِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةٌ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا تَحِيَّةٌ، فَلَمّا طَلَبْنا مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَبَ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦] أنْ يَفْعَلَ مُحَمَّدٌ مِثْلَهُ وهو أنْ يَطْلُبَ لِكُلِّ المُسْلِمِينَ الرَّحْمَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا هو مَعْنى الشَّفاعَةِ، ثُمَّ تَوافَقْنا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرُ مَرْدُودِ الدُّعاءِ، فَوَجَبَ أنْ يَقْبَلَ اللَّهُ شَفاعَتَهُ في الكُلِّ وهو المَطْلُوبُ.
وثامِنُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤] ولَيْسَ في الآيَةِ ذِكْرُ التَّوْبَةِ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ مَتى اسْتَغْفَرَ لِلْعُصاةِ والظّالِمِينَ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ شَفاعَةَ الرَّسُولِ في حَقِّ أهْلِ الكَبائِرِ مَقْبُولَةٌ في الدُّنْيا، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ مَقْبُولَةً في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ لا قائِلَ بِالفَرْقِ.