Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:48
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، فَنَقُولُ لَيْسَ في ظاهِرِ الآيَةِ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ أنَّ المُجْرِمِينَ لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ لِغَيْرِهِمْ، أوْ أنَّهم لا يَمْلِكُونَ شَفاعَةَ غَيْرِهِمْ لَهم؛ لِأنَّ المَصْدَرَ كَما يَجُوزُ ويَحْسُنُ إضافَتُهُ إلى الفاعِلِ يَجُوزُ ويَحْسُنُ إضافَتُهُ إلى المَفْعُولِ، إلّا أنّا نَقُولُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ حَمْلَها عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَجْرِي مَجْرى إيضاحِ الواضِحاتِ، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ يُساقُونَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ لِغَيْرِهِمْ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُها عَلى الوَجْهِ الثّانِي. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، والتَّقْدِيرُ أنَّ المُجْرِمِينَ لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَشْفَعَ لَهم غَيْرُهم إلّا إذا كانُوا اتَّخَذُوا عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، فَكُلُّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا وجَبَ دُخُولُهُ فِيهِ، وصاحِبُ الكَبِيرَةِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا وهو التَّوْحِيدُ والإسْلامُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ داخِلًا تَحْتَهُ أقْصى ما في البابِ أنْ يُقالَ: واليَهُودِيُّ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا وهو الإيمانُ بِاللَّهِ فَوَجَبَ دُخُولُهُ تَحْتَهُ لَكِنّا نَقُولُ: تُرِكَ العَمَلُ بِهِ في حَقِّهِ لِضَرُورَةِ الإجْماعِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا بِهِ فِيما وراءَهُ.