Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:48
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] والظّالِمُ هو الآتِي بِالظُّلْمِ، وذَلِكَ يَتَناوَلُ الكافِرَ وغَيْرَهُ، لا يُقالُ: إنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَكُونَ لِلظّالِمِينَ شَفِيعٌ يُطاعُ ولَمْ يَنْفِ شَفِيعًا يُجابُ ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ في الآخِرَةِ شَفِيعٌ يُطاعُ؛ لِأنَّ المُطاعَ يَكُونُ فَوْقَ المُطِيعِ، ولَيْسَ فَوْقَهُ تَعالى أحَدٌ يُطِيعُهُ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنّا نَقُولُ: لا يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ما قُلْتُمْ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ العِلْمَ بِأنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ تَعالى أحَدٌ يُطِيعُهُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُقَلاءِ. أمّا مَن أثْبَتَهُ سُبْحانَهُ فَقَدِ اعْتَرَفَ أنَّهُ لا يُطِيعُ أحَدًا، وأمّا مَن نَفاهُ فَمَعَ القَوْلِ بِالنَّفْيِ اسْتَحالَ أنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ كَوْنَهُ مُطِيعًا لِغَيْرِهِ، فَإذا ثَبَتَ هَذا كانَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرْتُمْ حَمْلًا لَها عَلى مَعْنًى لا يُفِيدُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى نَفى شَفِيعًا يُطاعُ، والشَّفِيعُ لا يَكُونُ إلّا دُونَ المَشْفُوعِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن فَوْقَهُ يَكُونُ آمِرًا لَهُ وحاكِمًا عَلَيْهِ ومِثْلُهُ لا يُسَمّى شَفِيعًا فَأفادَ قَوْلُهُ: ”﴿شَفِيعٌ﴾“ كَوْنَهُ دُونَ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨] عَلى مَن فَوْقَهُ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ أنْ لا يَكُونَ لَهم شَفِيعٌ يُجابُ.