Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:45-46
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قالَ الأصْحابُ: اللِّقاءُ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ وُصُولِ أحَدِ الجِسْمَيْنِ إلى الآخَرِ بِحَيْثُ يُماسُّهُ بِمُسَطَّحَةٍ يُقالُ: لَقِيَ هَذا ذاكَ إذا ماسَّهُ واتَّصَلَ بِهِ، ولَمّا كانَتِ المُلاقاةُ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ المُدْرِكَيْنِ سَبَبًا لِحُصُولِ الإدْراكِ فَحَيْثُ يَمْتَنِعُ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى المُماسَّةِ وجَبَ حَمْلُهُ عَلى الإدْراكِ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ مِن أقْوى وُجُوهِ المَجازِ، فَثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ لَفْظَ اللِّقاءِ عَلى الإدْراكِ، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّهُ تَرَكَ هَذا المَعْنى في بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلى الإدْراكِ في البَواقِي، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ زالَتِ السُّؤالاتُ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] والمُنافِقُ لا يَرى رَبَّهُ، قُلْنا: فَلِأجْلِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ المُرادُ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَ حِسابَهُ وحُكْمَهُ، إلّا أنَّ هَذا الإضْمارَ عَلى خِلافِ الدَّلِيلِ، وإنَّما يُصارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَفي هَذا المَوْضِعِ لَمّا اضْطُرِرْنا إلَيْهِ اعْتَبَرْناهُ، وأمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ لا ضَرُورَةَ في صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ ولا في إضْمارِ هَذِهِ الزِّيادَةِ فَلا جَرَمَ وجَبَ تَعْلِيقُ اللِّقاءِ بِاللَّهِ
صفحة ٤٩