Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:45-46
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: المُرادُ مِنَ الصَّبْرِ هَهُنا هو الصَّوْمُ؛ لِأنَّ الصّائِمَ صابِرٌ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، ومَن حَبَسَ نَفْسَهُ عَنْ قَضاءِ شَهْوَةِ البَطْنِ والفَرْجِ زالَتْ عَنْهُ كُدُوراتُ حُبِّ الدُّنْيا، فَإذا انْضافَ إلَيْهِ الصَّلاةُ اسْتَنارَ القَلْبُ بِأنْوارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما قَدَّمَ الصَّوْمَ عَلى الصَّلاةِ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الصَّوْمِ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي وتَأْثِيرَ الصَّلاةِ في حُصُولِ ما يَنْبَغِي، والنَّفْيُ مُقَدَّمٌ عَلى الإثْباتِ، ولِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النّارِ» “ وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] لِأنَّ الصَّلاةَ تَمْنَعُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالدُّنْيا، وتُخَشِّعُ القَلْبَ، ويَحْصُلُ بِسَبَبِها تِلاوَةُ الكِتابِ والوُقُوفُ عَلى ما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والمَواعِظِ والآدابِ الجَمِيلَةِ، وذِكْرِ مَصِيرِ الخَلْقِ إلى دارِ الثَّوابِ أوْ دارِ العِقابِ رَغْبَةً في الآخِرَةِ، ونُفْرَةً عَنِ الدُّنْيا، فَيَهُونُ عَلى الإنْسانِ حِينَئِذٍ تَرْكُ الرِّياسَةِ، ومَقْطَعَةً عَنِ المَخْلُوقِينَ إلى قِبْلَةِ خِدْمَةِ الخالِقِ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ٤٧
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّها﴾ فَفي هَذا الضَّمِيرِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الصَّلاةِ أيْ صَلاةٌ ثَقِيلَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ.