Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:45-46
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ فَقالَ قَوْمٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، قالَ: لِأنَّ مَن يُنْكِرُ الصَّلاةَ أصْلًا والصَّبْرَ عَلى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَكادُ يُقالُ لَهُ: اسْتَعِنْ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلا جَرَمَ وجَبَ صَرْفُهُ إلى مَن صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ أوَّلًا في بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والأقْرَبُ أنَّ المُخاطَبِينَ هم بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ صَرْفَ الخِطابِ إلى غَيْرِهِمْ يُوجِبُ تَفْكِيكَ النَّظْمِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُؤْمَرُونَ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُنْكِرِينَ لَهُما ؟ قُلْنا: لا نُسَلِّمُ كَوْنَهم مُنْكِرِينَ لَهُما؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ الصَّبْرَ عَلى ما يَجِبُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ حَسَنٌ، وأنَّ الصَّلاةَ الَّتِي هي تَواضُعٌ لِلْخالِقِ والِاشْتِغالُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى يُسَلِّي عَنْ مِحَنِ الدُّنْيا وآفاتِها، وإنَّما الِاخْتِلافُ في الكَيْفِيَّةِ فَإنَّ صَلاةَ اليَهُودِ واقِعَةٌ عَلى كَيْفِيَّةٍ، وصَلاةَ المُسْلِمِينَ عَلى كَيْفِيَّةٍ أُخْرى. وإذا كانَ مُتَعَلِّقُ الأمْرِ هو الماهِيَّةَ الَّتِي هي القَدْرُ المُشْتَرَكُ زالَ الإشْكالُ المَذْكُورُ، وعَلى هَذا نَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِالإيمانِ وبِتَرْكِ الإضْلالِ وبِالتِزامِ الشَّرائِعِ وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وكانَ ذَلِكَ شاقًّا عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِن تَرْكِ الرِّياساتِ والإعْراضِ عَنِ المالِ والجاهِ لا جَرَمَ عالَجَ اللَّهُ تَعالى هَذا المَرَضَ فَقالَ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ .