Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:44
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: لَيْسَ لِلْعاصِي أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ واحْتَجُّوا بِالآيَةِ والمَعْقُولِ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ ولا شَكَّ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ الذَّمِّ، وقالَ أيْضًا: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ لِمَن يَزْنِي بِامْرَأةٍ أنْ يُنْكِرَ عَلَيْها في أثْناءِ الزِّنا عَلى كَشْفِها عَنْ وجْهِها، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ مُسْتَنْكَرٌ. والجَوابُ: أنَّ المُكَلَّفَ مَأْمُورٌ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما تَرْكُ المَعْصِيَةِ، والثّانِي: مَنعُ الغَيْرِ عَنْ فِعْلِ المَعْصِيَةِ والإخْلالُ بِأحَدِ التَّكْلِيفَيْنِ لا يَقْتَضِي الإخْلالَ بِالآخَرِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ فَهو نَهْيٌ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، والنَّهْيُ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ هو النَّهْيَ عَنْ نِسْيانِ النَّفْسِ مُطْلَقًا.
والآخَرُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ هو النَّهْيَ عَنْ تَرْغِيبِ النّاسِ في
صفحة ٤٥
البَرِّ حالَ كَوْنِهِ ناسِيًا لِلنَّفْسِ، وعِنْدَنا المُرادُ مِنَ الآيَةِ هو الأوَّلُ لا الثّانِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ قَوْلُ هَذا الخَصْمِ، وأمّا المَعْقُولُ الَّذِي ذَكَرُوهُ فَيَلْزَمُهم.