Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:44
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وسابِعُها: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَأْمُرُونَ غَيْرَهم بِاتِّباعِ التَّوْراةِ ثُمَّ إنَّهم خالَفُوهُ؛ لِأنَّهم وجَدُوا فِيها ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ إنَّهم ما آمَنُوا بِهِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ فالنِّسْيانُ عِبارَةٌ عَنِ السَّهْوِ الحادِثِ بَعْدَ حُصُولِ العِلْمِ والنّاسِي غَيْرُ مُكَلَّفٍ، ومَن لا يَكُونُ مُكَلَّفًا لا يَجُوزُ أنْ يَذُمَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ما صَدَرَ مِنهُ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ أنَّكم تَغْفُلُونَ عَنْ حَقِّ أنْفُسِكم وتَعْدِلُونَ عَمّا لَها فِيهِ مِنَ النَّفْعِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾ فَمَعْناهُ تَقْرَأُونَ التَّوْراةَ وتَدْرُسُونَها وتَعْلَمُونَ بِما فِيها مِنَ الحَثِّ عَلى أفْعالِ البِرِّ والإعْراضِ عَنْ أفْعالِ الإثْمِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فَهو تَعَجُّبٌ لِلْعُقَلاءِ مِن أفْعالِهِمْ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] وسَبَبُ التَّعَجُّبِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ إرْشادُ الغَيْرِ إلى تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ وتَحْذِيرُهُ عَمّا يُوقِعُهُ في المَفْسَدَةِ، والإحْسانُ إلى المَعْرُوفِ أوْلى مِنَ الإحْسانِ إلى الغَيْرِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ بِشَواهِدِ العَقْلِ والنَّقْلِ فَمَن وعَظَ ولَمْ يَتَّعِظْ فَكَأنَّهُ أتى بِفِعْلٍ مُتَناقِضٍ لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ فَلِهَذا قالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .