Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:43
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ خِطابٌ مَعَ اليَهُودِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ. أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ لا رُكُوعَ في صَلاتِهِمْ فَخَصَّ اللَّهُ الرُّكُوعَ بِالذِّكْرِ تَحْرِيضًا لَهم عَلى الإتْيانِ بِصَلاةِ المُسْلِمِينَ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ صَلُّوا مَعَ المُصَلِّينَ، وعَلى هَذا يَزُولُ التَّكْرارُ؛ لِأنَّ في الأوَّلِ أمَرَ تَعالى بِإتْقانِها، وأمَرَ في الثّانِي بِفِعْلِها في الجَماعَةِ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ بِالرُّكُوعِ هو الأمْرَ بِالخُضُوعِ؛ لِأنَّ الرُّكُوعَ والخُضُوعَ في اللُّغَةِ سَواءٌ، فَيَكُونُ نَهْيًا عَنِ الِاسْتِكْبارِ المَذْمُومِ وأمْرًا بِالتَّذَلُّلِ كَما قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وكَقَوْلِهِ تَأْدِيبًا لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] وكَمَدْحِهِ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وهَكَذا في قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٤٣