Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:40
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ذَلِكَ العَهْدُ هو ما دَلَّ العَقْلُ عَلَيْهِ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجِبُ عَلَيْهِ إيصالُ الثَّوابِ إلى المُطِيعِ وصَحَّ وصْفُ ذَلِكَ الوُجُوبِ بِالعَهْدِ؛ لِأنَّهُ بِحَيْثُ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ فَكانَ ذَلِكَ أوْكَدَ مِنَ العَهْدِ بِالإيجابِ بِالنَّذْرِ واليَمِينِ: وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ لا يَجِبُ لِلْعَبْدِ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، وفي هَذِهِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ النِّعَمِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالوَفاءِ بِالعَهْدِ دَلَّ عَلى أنَّ تِلْكَ النِّعَمَ السّالِفَةَ تُوجِبُ عَهْدَ العُبُودِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ أداءُ العِباداتِ أداءً لِما وجَبَ بِسَبَبِ النِّعَمِ السّالِفَةِ وأداءُ الواجِبِ لا يَكُونُ سَبَبًا لِواجِبٍ آخَرَ، فَثَبَتَ أنَّ أداءَ التَّكالِيفِ لا يُوجِبُ الثَّوابَ فَبَطَلَ قَوْلُالمُعْتَزِلَةِ بَلِ التَّفْسِيرُ الحَقُّ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَ بِالثَّوابِ - وكُلُّ ما وعَدَ بِهِ اسْتَحالَ أنْ لا يُوجَدَ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ لانْقَلَبَ خَبَرُهُ الصِّدْقُ كَذِبًا والكَذِبُ عَلَيْهِ مُحالٌ، والمُفْضِي إلى المُحالِ مُحالٌ - فَكانَ ذَلِكَ واجِبَ الوُقُوعِ فَكانَ ذَلِكَ آكَدَ مِمّا ثَبَتَ بِاليَمِينِ والنَّذْرِ.