Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:40
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما ذَكَّرَهم بِهَذِهِ النِّعَمِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ في جُمْلَةِ النِّعَمِ ما يَشْهَدُ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ.
وثانِيها: أنَّ كَثْرَةَ النِّعَمِ تُوجِبُ عِظَمَ المَعْصِيَةِ فَذَكَّرَهم تِلْكَ النِّعَمَ لِكَيْ يَحْذَرُوا مُخالَفَةَ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِالقُرْآنِ.
وثالِثُها: أنَّ تَذْكِيرَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ يُوجِبُ الحَياءَ عَنْ إظْهارِ المُخالَفَةِ.
ورابِعُها: أنَّ تَذْكِيرَ النِّعَمِ الكَثِيرَةِ يُفِيدُ أنَّ المُنْعِمَ خَصَّهم مِن بَيْنِ سائِرِ النّاسِ بِها، ومَن خَصَّ أحَدًا بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يُزِيلُها عَنْهم لِما قِيلَ: إتْمامُ المَعْرُوفِ خَيْرٌ مِنَ ابْتِدائِهِ فَكَأنَّ تَذْكِيرَ النِّعَمِ السّالِفَةِ يُطْمِعُ في النِّعَمِ الآتِيَةِ، وذَلِكَ الطَّمَعُ مانِعٌ مِن إظْهارِ المُخالَفَةِ والمُخاصَمَةِ. فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ النِّعَمُ ما كانَتْ عَلى المُخاطَبِينَ بَلْ كانَتْ عَلى آبائِهِمْ فَكَيْفَ تَكُونُ نِعَمًا عَلَيْهِمْ وسَبَبًا لِعِظَمِ مَعْصِيَتِهِمْ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: لَوْلا هَذِهِ النِّعَمُ عَلى آبائِهِمْ لَما بَقُوا فَما كانَ يَحْصُلُ هَذا النَّسْلُ فَصارَتِ النِّعَمُ عَلى الآباءِ كَأنَّها نِعَمٌ عَلى الأبْناءِ.
صفحة ٣٣
.
وثانِيها: أنَّ الِانْتِسابَ إلى الآباءِ وقَدْ خَصَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِنِعَمِ الدِّينِ والدُّنْيا نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ في حَقِّ الأوْلادِ.