cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:40

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

الفَرْعُ الثّانِي: أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَلى عَبِيدِهِ مِمّا لا يُمْكِنُ عَدُّها وحَصْرُها عَلى ما قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] وإنَّما لا يُمْكِنُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما أُودِعَ فِينا مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ الَّتِي نَنْتَفِعُ بِها والجَوارِحِ والأعْضاءِ الَّتِي نَسْتَعْمِلُها في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ وما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى في العالَمِ مِمّا يُلْتَذُّ بِهِ ويُسْتَدَلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ، وما وُجِدَ في العالَمِ مِمّا يَحْصُلُ الِانْزِجارُ بِرُؤْيَتِهِ عَنِ المَعاصِي مِمّا لا يُحْصى عَدَدُهُ، وكُلُّ ذَلِكَ مَنافِعُ؛ لِأنَّ المَنفَعَةَ هي اللَّذَّةُ أوْ ما يَكُونُ وسِيلَةً إلى اللَّذَّةِ، وجَمِيعُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما يُلْتَذُّ بِهِ نِعْمَةٌ، وكُلُّ ما يُلْتَذُّ بِهِ وهو وسِيلَةٌ إلى دَفْعِ الضَّرَرِ فَهو كَذَلِكَ، والَّذِي لا يَكُونُ جالِبًا لِلنَّفْعِ الحاضِرِ ولا دافِعًا لِلضَّرَرِ الحاضِرِ فَهو صالِحٌ لِأنْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى الصّانِعِ الحَكِيمِ، فَيَقَعُ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى مَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ وهُما وسِيلَتانِ إلى اللَّذّاتِ الأبَدِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ نِعَمٌ عَلى العَبِيدِ، ولَمّا كانَتِ العُقُولُ قاصِرَةً عَنْ تَعْدِيدِ ما في أقَلِّ الأشْياءِ مِنَ المَنافِعِ والحِكَمِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ الإحاطَةُ بِكُلِّ ما في العالَمِ مِنَ المَنافِعِ والحِكَمِ، فَصَحَّ بِهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَتِ النِّعَمُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ وما لا يَتَناهى لا يَحْصُلُ العِلْمُ بِهِ في حَقِّ العَبْدِ فَكَيْفَ أمَرَ بِتَذَكُّرِها في قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ والجَوابُ أنَّها غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ بِحَسَبِ الأنْواعِ والأشْخاصِ إلّا أنَّها مُتَناهِيَةٌ بِحَسَبِ الأجْناسِ، وذَلِكَ يَكْفِي في التَّذْكِيرِ الَّذِي يُفِيدُ العِلْمَ بِوُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ اسْتِحْقاقَ الحَمْدِ والثَّناءِ والطّاعَةِ لا يَتَحَقَّقُ إلّا عَلى إيصالِ النِّعْمَةِ ثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُسْتَحِقُّ لِحَمْدِ الحامِدِينَ؛ ولِهَذا قالَ في ذَمِّ الأصْنامِ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٣] وقالَ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٥] وقالَ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى﴾ [يونس: ٣٥] .

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.