Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:40
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الفَرْعُ الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ كُلَّ ما يَصِلُ إلَيْنا آناءَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنَ النَّفْعِ ودَفْعِ الضَّرَرِ فَهو مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ثُمَّ إنَّ النِّعْمَةَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: نِعْمَةٌ تَفَرَّدَ اللَّهُ بِها نَحْوَ أنْ خَلَقَ ورَزَقَ.
وثانِيها: نِعْمَةٌ وصَلَتْ إلَيْنا مِن جِهَةِ غَيْرِهِ بِأنْ خَلَقَها وخَلَقَ المُنْعِمَ ومَكَّنَهُ مِنَ الإنْعامِ، وخَلَقَ فِيهِ قُدْرَةَ الإنْعامِ وداعِيَتَهُ، ووَفَّقَهُ عَلَيْهِ وهَداهُ إلَيْهِ، فَهَذِهِ النِّعْمَةُ في الحَقِيقَةِ أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أجْراها عَلى يَدِ عَبْدِهِ كانَ ذَلِكَ العَبْدُ مَشْكُورًا، ولَكِنَّ المَشْكُورَ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، ولِهَذا قالَ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] فَبَدَأ بِنَفْسِهِ، وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ» “ .
وثالِثُها: نِعْمَةٌ وصَلَتْ إلَيْنا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ طاعاتِنا، وهي أيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وفَّقَنا عَلى الطّاعاتِ وأعانَنا عَلَيْها وهَدانا إلَيْها وأزاحَ الأعْذارَ وإلّا لَما وصَلْنا إلى شَيْءٍ مِنها، فَظَهَرَ بِهَذا التَّقْرِيرِ أنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى ما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] .
صفحة ٢٩