Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:38
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ هُداهُ بِحَقِّهِ عِلْمًا وعَمَلًا بِالإقْدامِ عَلى ما يَلْزَمُ والِاحْجامِ عَمّا يَحْرُمُ؛ فَإنَّهُ يَصِيرُ إلى حالٍ لا خَوْفَ فِيها ولا حُزْنَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعَ اخْتِصارِها تَجْمَعُ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ المَعانِي؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ دَخَلَ فِيهِ الإنْعامُ بِجَمِيعِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ وزِياداتِ البَيانِ وجَمِيعِ ما لا يَتِمُّ ذَلِكَ إلّا بِهِ مِنَ العَقْلِ ووُجُوهِ التَّمَكُّنِ، وجَمَعَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ تَأمُّلَ الأدِلَّةِ بِحَقِّها والنَّظَرَ فِيها واسْتِنْتاجَ المَعارِفِ مِنها والعَمَلَ بِها، ويَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّ التَّكالِيفِ، وجَمَعَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ جَمِيعَ ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِأوْلِيائِهِ؛ لِأنَّ زَوالَ الخَوْفِ يَتَضَمَّنُ السَّلامَةَ مِن جَمِيعِ الآفاتِ، وزَوالَ الحُزْنِ يَقْتَضِي الوُصُولَ إلى كُلِّ اللَّذّاتِ والمُراداتِ، وقَدَّمَ عَدَمَ الخَوْفِ عَلى عَدَمِ الحُزْنِ؛ لِأنَّ زَوالَ ما لا يَنْبَغِي مُقَدَّمٌ عَلى طَلَبِ ما يَنْبَغِي، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُكَلَّفَ الَّذِي أطاعَ اللَّهَ تَعالى لا يَلْحَقُهُ خَوْفٌ في القَبْرِ ولا عِنْدَ البَعْثِ ولا عِنْدَ حُضُورِ المَوْقِفِ ولا عِنْدَ تَطايُرِ الكُتُبِ ولا عِنْدَ نَصْبِ المَوازِينِ ولا عِنْدَ الصِّراطِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ أهْوالَ القِيامَةِ كَما تَصِلُ إلى الكُفّارِ والفُسّاقِ تَصِلُ أيْضًا إلى المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] وأيْضًا فَإذا انْكَشَفَتْ تِلْكَ الأهْوالُ وصارُوا إلى الجَنَّةِ ورِضْوانِ اللَّهِ، صارَ ما تَقَدَّمَ كَأنْ لَمْ يَكُنْ، بَلْ رُبَّما كانَ زائِدًا في الِالتِذاذِ بِما يَجِدُهُ مِنَ النَّعِيمِ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ أخَصُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾ والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أمامَهم فَلَيْسَ شَيْءٌ أعْظَمَ في صَدْرِ الَّذِي يَمُوتُ مِمّا بَعْدَ المَوْتِ، فَأمَّنَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ. ثُمَّ سَلاهم عَنِ الدُّنْيا فَقالَ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى ما خَلَّفُوهُ بَعْدَ وفاتِهِمْ في الدُّنْيا، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ يَقْتَضِي نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْنِ مُطْلَقًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُما حَصَلا في الدُّنْيا لِلْمُؤْمِنِينَ أكْثَرَ مِن حُصُولِهِما لِغَيْرِ المُؤْمِنِينَ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فالمُؤْمِنُ لا يُمْكِنُهُ القَطْعُ أنَّهُ أتى بِالعِباداتِ كَما يَنْبَغِي، فَخَوْفُ التَّقْصِيرِ حاصِلٌ وأيْضًا