cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:37

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

فِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ، أمّا العِلْمُ فَهو مَعْرِفَةُ ما في الذَّنْبِ مِنَ الضَّرَرِ وكَوْنِهِ حِجابًا بَيْنَ العَبْدِ ورَحْمَةِ الرَّبِّ، فَإذا عَرَفَ ذَلِكَ مَعْرِفَةً مُحَقَّقَةً حَصَلَ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَألُّمُ القَلْبِ بِسَبَبِ فَواتِ المَحْبُوبِ، فَإنَّ القَلْبَ مَهْما شَعَرَ بِفَواتِ المَحْبُوبِ تَألَّمَ، فَإذا كانَ فَواتُهُ يُفْعَلُ مِن جِهَتِهِ تَأسَّفَ بِسَبَبِ فَواتِ المَحْبُوبِ عَلى الفِعْلِ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِذَلِكَ الفَواتِ فَسُمِّيَ ذَلِكَ التَّأسُّفُ نَدَمًا، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الألَمَ إذا تَأكَّدَ حَصَلَتْ مِنهُ إرادَةٌ جازِمَةٌ ولَها تَعَلُّقٌ بِالحالِ وبِالمُسْتَقْبَلِ وبِالماضِي، أمّا تَعَلُّقُها بِالحالِ فَبِتَرْكِ الذَّنْبِ الَّذِي كانَ مُلابِسًا لَهُ، وأمّا بِالمُسْتَقْبَلِ فالعَزْمُ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُفَوِّتِ لِلْمَحْبُوبِ إلى آخِرِ العُمْرِ. وأمّا بِالماضِي فَبِتَلافِي ما فاتَ بِالجَبْرِ والقَضاءِ إنْ كانَ قابِلًا لِلْجَبْرِ، فالعِلْمُ هو الأوَّلُ وهو مَطْلَعُ هَذِهِ الخَيْراتِ وأعْنِي بِهِ اليَقِينَ التّامَّ بِأنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ سُمُومٌ مُهْلِكَةٌ، فَهَذا اليَقِينُ نُورٌ وهَذا النُّورُ يُوجِبُ نارَ النَّدَمِ، فَيَتَألَّمُ بِهِ القَلْبُ حَيْثُ أبْصَرَ بِإشْراقِ نُورِ الإيمانِ أنَّهُ صارَ مَحْجُوبًا عَنْ مَحْبُوبِهِ كَمَن يُشْرِقُ عَلَيْهِ نُورُ الشَّمْسِ، وقَدْ كانَ في ظُلْمَةٍ فَيَطْلُعُ النُّورُ عَلَيْهِ بِانْقِشاعِ السَّحابِ، فَرَأى مَحْبُوبَهُ قَدْ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ فَتَشْتَعِلُ نِيرانُ الحُبِّ في قَلْبِهِ فَتَنْبَعِثُ مِن تِلْكَ النِّيرانِ إرادَتُهُ لِلِانْتِهاضِ لِلتَّدارُكِ، فالعِلْمُ والنَّدَمُ والقَصْدُ المُتَعَلِّقُ بِالتَّرْكِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ والتَّلافِي لِلْماضِي ثَلاثَةُ مَعانٍ مُتَرَتِّبَةٌ في الحُصُولِ (عَلى التَّوْبَةِ) . ويُطْلَقُ اسْمُ التَّوْبَةِ عَلى مَجْمُوعِها وكَثِيرًا ما يُطْلَقُ اسْمُ التَّوْبَةِ عَلى مَعْنى النَّدَمِ وحْدَهُ ويُجْعَلُ العِلْمُ السّابِقُ كالمُقَدِّمَةِ، والتَّرْكُ كالثَّمَرَةِ والتّابِعِ المُتَأخِّرِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«النَّدَمُ تَوْبَةٌ» “، إذْ لا يَنْفَكُّ النَّدَمُ عَنْ عِلْمٍ أوْجَبَهُ وعَنْ عَزْمٍ يَتْبَعُهُ فَيَكُونُ النَّدَمُ مَحْفُوفًا بِطَرَفَيْهِ، أعْنِي مُثْمِرَهُ وثَمَرَتَهُ، فَهَذا هو الَّذِي لَخَّصَهُ الشَّيْخُ الغَزالِيُّ في حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.