Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:36
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
﴿اهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ [الأعراف: ١٣]، وقالَ أيْضًا: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤]، وإنَّما أُهْبِطَ مِنها لِأجْلِ تَكَبُّرِهِ، فَزَلَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما وقَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهُبُوطِ بِسَبَبِ الزَّلَّةِ، فَلَمّا حَصَلَ هُبُوطُ إبْلِيسَ قَبْلَ ذَلِكَ كَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿اهْبِطُوا﴾، مُتَناوِلًا لَهُ ؟ قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أهْبَطَهُ إلى الأرْضِ فَلَعَلَّهُ عادَ إلى السَّماءِ مَرَّةً أُخْرى لِأجْلِ أنْ يُوَسْوِسَ إلى آدَمَ وحَوّاءَ فَحِينَ كانَ آدَمُ وحَوّاءُ في الجَنَّةِ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُما: ﴿اهْبِطا﴾ [طه: ١٢٣] فَلَمّا خَرَجا مِنَ الجَنَّةِ واجْتَمَعَ إبْلِيسُ مَعَهُما خارِجَ الجَنَّةِ أمَرَ الكُلَّ فَقالَ: ﴿اهْبِطُوا﴾ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اهْبِطُوا﴾ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهم دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ قالَ ذَلِكَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى حِدَةٍ في وقْتٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ آدَمُ وحَوّاءُ والحَيَّةُ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ بِالإجْماعِ أنَّ المُكَلَّفِينَ هُمُ المَلائِكَةُ والجِنُّ والإنْسُ، ولِقائِلٍ أنْ يَمْنَعَ هَذا الإجْماعَ فَإنَّ مِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: قَدْ يَحْصُلُ في غَيْرِهِمْ جَمْعٌ مِنَ المُكَلَّفِينَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]، وقالَ سُلَيْمانُ لِلْهُدْهُدِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١] .