Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: الرُّوحانِيّاتُ لَهم قُوَّةٌ عَلى تَصْرِيفِ الأجْسامِ وتَقْلِيبِ الأجْرامِ، والقُوَّةُ الَّتِي هي لَهم لَيْسَتْ مِن جِنْسِ القُوى المِزاجِيَّةِ حَتّى يَعْرِضَ لَها كَلالٌ ولُغُوبٌ، ثُمَّ إنَّكَ تَرى الخامَةَ اللَّطِيفَةَ مِنَ الزَّرْعِ في بَدْءِ نُمُوِّها تَفْتَقُ الحَجَرَ وتَشُقُّ الصَّخْرَ، وما ذاكَ إلّا لِقُوَّةٍ نَباتِيَّةٍ فاضَتْ عَلَيْها مِن جَواهِرِ القُوى السَّماوِيَّةِ فَما ظَنُّكَ بِتِلْكَ القُوى السَّماوِيَّةِ، والرُّوحانِيّاتُ هي الَّتِي تَتَصَرَّفُ في الأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ تَقْلِيبًا وتَصْرِيفًا لا يَسْتَثْقِلُونَ حَمْلَ الأثْقالِ ولا يَسْتَصْعِبُونَ تَحْرِيكَ الجِبالَ، فالرِّياحُ تَهُبُّ بَتَحْرِيكاتِها والسَّحابُ تَعْرِضُ وتَزُولُ بِتَصْرِيفِها، وكَذا الزَّلازِلُ تَقَعُ في الجِبالِ بِسَبَبٍ مِن جِهَتِها، والشَّرائِعُ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذّارِياتِ: ٤] والعُقُولُ أيْضًا دالَّةٌ عَلَيْهِ والأرْواحُ السُّفْلِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَأيْنَ أحَدُ القِسْمَيْنِ مِنَ الآخَرِ.
والَّذِي يُقالُ إنَّ الشَّياطِينَ الَّتِي هي الأرْواحُ الخَبِيثَةُ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ مَمْنُوعٌ، وبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلا نِزاعَ في أنَّ قُدْرَةَ المَلائِكَةِ عَلى ذَلِكَ أشَدُّ وأكْمَلُ؛ ولِأنَّ الأرْواحَ الطَّيِّبَةَ المَلَكِيَّةَ تَصْرِفُ قُواها إلى مَناظِمِ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ ومَصالِحِها، والأرْواحَ الخَبِيثَةَ تَصْرِفُ قُواها إلى الشُّرُورِ، فَأيْنَ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ ؟