Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الِاعْتِراضُ: لا نِزاعَ في كُلِّ ما ذَكَرْتُمُوهُ إلّا أنَّ هَهُنا دَقِيقَةً وهي أنَّ المُواظِبَ عَلى تَناوُلِ الأغْذِيَةِ اللَّطِيفَةِ لا يَلْتَذُّ بِها كَما يَلْتَذُّ المُبْتَلى بِالجُوعِ أيّامًا كَثِيرَةً، فالمَلائِكَةُ بِسَبَبِ مُواظَبَتِهِمْ عَلى تِلْكَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ لا يَجِدُونَ مِنَ اللَّذَّةِ مِثْلَ ما يَجِدُ البَشَرُ الَّذِينَ يَكُونُونَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مَحْجُوبِينَ بِالعَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ والحُجُبِ الظُّلْمانِيَّةِ فَهَذِهِ المَزِيَّةُ مِنَ اللَّذَّةِ مِمّا يَخْتَصُّ بِها البَشَرُ، ولَعَلَّ هَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ [الأحْزابِ: ٧٢] فَإنَّ إدْراكَ المُلائِمِ بَعْدَ الِابْتِلاءِ بِالمُنافِي ألَذُّ مِن إدْراكِ المُلائِمِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ، ولِذَلِكَ قالَتِ الأطِبّاءُ: إنَّ الحَرارَةَ في حُمّى الدِّقِّ أشَدُّ مِنها في حُمّى الغِبِّ، لَكِنَّ حَرارَةَ الحُمّى في الدِّقِّ إذا دامَتْ واسْتَقَرَّتْ بَطَلَ الشُّعُورُ بِها فَهَذِهِ الحالَةُ لَمْ تَحْصُلْ لِلْمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ
صفحة ٢١١
كَمالاتِها دائِمَةٌ ولَمْ تَحْصُلْ لِسائِرِ الأجْسامِ؛ لِأنَّها كانَتْ خالِيَةً عَنِ القُوَّةِ المُسْتَعِدَّةِ لِإدْراكِ المُجَرَّداتِ فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِمَّنْ يَقْوى عَلى تَحَمُّلِ هَذِهِ الأمانَةِ إلّا البَشَرُ.