Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ البَسِيطَ أشْرَفُ مِنَ المُرَكَّبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ جانِبَ الرُّوحانِيِّ أمْرٌ واحِدٌ، وجانِبَ الجُسْمانِيِّ أمْرانِ رُوحُهُ وجِسْمُهُ فَهو مِن حَيْثُ الرُّوحِ مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ والأنْوارِ، ومِن حَيْثُ الجَسَدِ مِن عالَمِ الأجْسادِ فَهو لِكَوْنِهِ مُسْتَجْمِعًا لِلرُّوحانِيِّ والجُسْمانِيِّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِنَ الرُّوحانِيِّ الصِّرْفِ والجُسْمانِيِّ الصِّرْفِ، وهَذا هو السِّرُّ في أنْ جَعَلَ البَشَرَ الأوَّلَ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ ومِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنَّ الأرْواحَ المَلَكِيَّةَ مُجَرَّداتٌ مُفارِقَةٌ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ، فَكَأنَّ اسْتِغْراقَها في مَقاماتِها النُّورانِيَّةِ عاقَها عَنْ تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ الجَسَدانِيِّ، أمّا النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فَإنَّها قَوِيَتْ عَلى الجَمْعِ بَيْنَ العالَمَيْنِ فَلا دَوامَ تَرَقِّيها في مَعارِجِ المَعارِفِ وعَوالِمِ القُدْسِ يَعُوقُها عَنْ تَدْبِيرِ العالَمِ السُّفْلِيِّ، ولا التِفاتُها إلى مَناظِمِ عالَمِ الأجْسامِ يَمْنَعُها عَنِ الِاسْتِكْمالِ في عالَمِ الأرْواحِ، فَكانَتْ قُوَّتُها وافِيَةً بِتَدْبِيرِ العالَمَيْنِ مُحِيطَةً بِضَبْطِ الجِنْسَيْنِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أشْرَفَ وأعْظَمَ.
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: الجَواهِرُ الرُّوحانِيَّةُ مُبَرَّأةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ الَّتِي هي مَنشَأُ سَفْكِ الدِّماءِ، والأرْواحُ البَشَرِيَّةُ مَقْرُونَةٌ بِها والخالِي عَنْ مَنبَعِ الشَّرِّ أشْرَفُ مِنَ المُبْتَلى بِهِ.