Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ الصُّورَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُفِيدُ الغَرَضَ، وإنَّما نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ما لَهم مِنَ الصِّفاتِ وهَذا يَكْفِي في صِدْقِهِ أنْ لا يَكُونَ لَهُ مِثْلُ ما لَهم ولا تَكُونُ صِفاتُهُ مُساوِيَةً لِصِفاتِهِمْ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى وُقُوعِ التَّفاوُتِ في كُلِّ الصِّفاتِ فَإنَّ عَدَمَ الِاسْتِواءِ في الكُلِّ غَيْرٌ، وحُصُولُ الِاخْتِلافِ في الكُلِّ غَيْرٌ.
وعاشِرُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يُوسُفَ: ٣١] فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ وُقُوعَ التَّشْبِيهِ في الصُّورَةِ والجَمالِ، قُلْنا: الأوْلى أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ واقِعًا في السِّيرَةِ لا في
صفحة ٢٠٥
الصُّورَةِ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ فَشَبَّهَهُ بِالمَلَكِ الكَرِيمِ، والمَلَكُ إنَّما يَكُونُ كَرِيمًا بِسِيرَتِهِ المُرْضِيَةِ لا بِمُجَرَّدِ صُورَتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُهُ بِالمَلَكِ في نَفْيِ دَواعِي البَشَرِ مِنَ الشَّهْوَةِ والحِرْصِ عَلى طَلَبِ المُشْتَهى، وإثْباتِ ضِدِّ ذَلِكَ، وهي حالَةُ المَلَكِ وهي غَضُّ البَصَرِ، وقَمْعٌ عَنِ المَيْلِ إلى المُحَرَّماتِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى إجْماعِ العُقَلاءِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ، عَلى اخْتِصاصِ المَلائِكَةِ بِدَرَجَةٍ فائِقَةٍ عَلى دَرَجاتِ البَشَرِ.