Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
هَذِهِ الخَشَبَةُ لا يَقْدِرُ عَلى حَمْلِها الواحِدُ ولا العَشَرَةُ فَنَحْنُ بِعُقُولِنا أنَّ العَشَرَةَ أقْوى مِنَ الواحِدِ فَلا جَرَمَ عَرَفْنا أنَّ الغَرَضَ مِن ذِكْرِ الثّانِي المُبالَغَةُ فَهَذِهِ المُبالَغَةُ إنَّما عَرَفْناها بِهَذا الطَّرِيقِ لا مِن مُجَرَّدِ اللَّفْظِ فَهَهُنا في الآيَةِ إنَّما يُمْكِنُنا أنْ نَعْرِفَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٧٢] بَيانُ المُبالِغَةِ لَوْ عَرَفْنا قَبْلَ ذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ أفْضَلُ مِنَ المَسِيحِ، وحِينَئِذٍ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى ثُبُوتِ المَطْلُوبِ قَبْلَ هَذا الدَّلِيلِ، ويَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ المَطْلُوبِ عَلى دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ، وأنَّهُ باطِلٌ سَلَّمْنا أنَّهُ يُفِيدُ التَّفاوُتَ لَكِنَّهُ لا يُفِيدُ التَّفاوُتَ في كُلِّ الدَّرَجاتِ بَلْ في بَعْضٍ دُونٍ آخَرَ، بَيانُهُ أنَّهُ إذا قِيلَ: هَذا العالِمُ لا يَسْتَنْكِفُ عَنْ خِدْمَتِهِ القاضِي ولا السُّلْطانُ، فَهَذا لا يُفِيدُ إلّا أنَّ السُّلْطانَ أكْمَلُ مِنَ القاضِي في بَعْضِ الأُمُورِ وهو القُدْرَةُ والقُوَّةُ والِاسْتِيلاءُ والسُّلْطانُ ولا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ أفْضَلَ مِنَ القاضِي في العِلْمِ والزُّهْدِ والخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى إذا ثَبَتَ هَذا فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في القُدْرَةِ والبَطْشِ فَإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَلَعَ مَدائِنَ لُوطٍ، والبَشَرُ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في كَثْرَةِ الثَّوابِ الحاصِلِ بِسَبَبِ مَزِيدِ الخُضُوعِ والعُبُودِيَّةِ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الفَضْلَ المُخْتَلَفَ فِيهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو كَثْرَةُ الثَّوابِ، وكَثْرَةُ الثَّوابِ لا تَحْصُلُ إلّا بِالعُبُودِيَّةِ، والعُبُودِيَّةُ عِبارَةٌ عَنْ نِهايَةِ التَّواضُعِ والخُضُوعِ وكَوْنُ العَبْدِ مَوْصُوفًا بِنِهايَةِ التَّواضُعِ لِلَّهِ تَعالى لا يُناسِبُ الِاسْتِنْكافَ عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، ولا يُلائِمُها البَتَّةَ بَلْ يُناقِضُها ويُنافِيها وإذا كانَ هَذا الكَلامُ ظاهِرًا جَلِيًّا كانَ حَمْلُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ مُخْرِجًا لَهُ عَنِ الفائِدَةِ، أمّا اتِّصافُ الشَّخْصِ بِالقُدْرَةِ الشَّدِيدَةِ والِاسْتِيلاءِ العَظِيمِ فَإنَّهُ مُناسِبٌ لِلتَّمَرُّدِ وتَرْكِ العُبُودِيَّةِ، فالنَّصارى لَمّا شاهَدُوا مِنَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ إحْياءَ المَوْتى وإبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ أخْرَجُوهُ عَنِ العُبُودِيَّةِ بِسَبَبِ هَذا القَدْرِ مِنَ القُدْرَةِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنَّ عِيسى لا يَسْتَنْكِفُ بِسَبَبِ هَذا القَدْرِ مِنَ القُدْرَةِ عَنْ عُبُودِيَّتِي، بَلْ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ الَّذِينَ هم فَوْقَهُ في القُدْرَةِ والقُوَّةِ والبَطْشِ والِاسْتِيلاءِ عَلى عَوالِمِ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَنْتَظِمُ وجْهُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في الشِّدَّةِ والبَطْشِ، لَكِنَّها لا تَدُلُّ البَتَّةَ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ في