Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ما مِنّا مِن أحَدٍ إلّا عَصى أوْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ غَيْرَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ» “ فَثَبَتَ أنَّ تَقْوى المَلائِكَةِ أشَدُّ فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِنَ البَشَرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحُجُراتِ: ١٣] فَإنْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ الآدَمِيِّينَ فَلا يَتَناوَلُ المَلائِكَةَ، وأيْضًا فالتَّقْوى مُشْتَقٌّ مِنَ الوِقايَةِ ولا شَهْوَةَ في حَقِّ المَلائِكَةِ فَيَسْتَحِيلُ تَحَقُّقُ التَّقْوى في حَقِّهِمْ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ تَرْتِيبَ الكَرامَةِ عَلى التَّقْوى يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَرامَةَ مُعَلَّلَةٌ بِالتَّقْوى فَحَيْثُ كانَتِ التَّقْوى أكْثَرَ كانَتِ الكَرامَةُ أكْثَرَ، وعَنِ الثّانِي: لا نُسَلِّمُ عَدَمَ الشَّهْوَةِ في حَقِّهِمْ لَكِنْ لا شَهْوَةَ لَهم إلى الأكْلِ والمُباشَرَةِ، ولَكِنْ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ شَهْوَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَدَمُ مُطْلَقِ الشَّهْوَةِ بَلْ لَهم شَهْوَةُ التَّقَدُّمِ والتَّرَفُّعِ، ولِهَذا قالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٢٩] .