Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا أوَّلًا؛ فَلِأنَّ الأدْوَمَ أشَقُّ فَيَكُونُ أفْضَلَ عَلى ما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ في الحُجَّةِ الثّانِيَةِ، وأما ثانِيًا: فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: «أفْضَلُ العِبادِ مَن طالَ عُمْرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ» والمَلائِكَةُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أطْوَلُ العِبادِ أعْمارًا وأحْسَنُهم أعْمالًا فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ العِبادِ؛ ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ”«الشَّيْخُ في قَوْمِهِ كالنَّبِيِّ في أُمَّتِهِ» “ وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونُوا في البَشَرِ كالنَّبِيِّ في الأُمَّةِ وذَلِكَ يُوجِبُ فَضْلَهم عَلى البَشَرِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا لُقْمانُ وكَذا الخَضِرُ كانُوا أطْوَلَ عُمْرًا مِن مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَبَ أنْ يَكُونُوا أفْضَلَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ فَبَطَلَ ما قالُوهُ وقَدْ نَجِدُ في الأُمَّةِ مَن هو أطْوَلُ عُمْرًا وأشَدُّ اجْتِهادًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وهو مِنهُ أبْعَدُ في الدَّرَجَةِ مِنَ العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى.
والتَّحْقِيقُ فِيهِ ما بَيَّنّا أنَّ كَثْرَةَ الثَّوابِ إنَّما تَحْصُلُ لِأمْرٍ يَرْجِعُ إلى الدَّواعِي والقُصُودِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الطّاعَةُ القَلِيلَةُ تَقَعُ مِنَ الإنْسانِ عَلى وجْهٍ يَسْتَحِقُّ بِها ثَوابًا كَثِيرًا والطّاعاتِ الكَثِيرَةَ تَقَعُ عَلى وجْهٍ لا يَسْتَحِقُّ بِها إلّا ثَوابًا قَلِيلًا.