Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّانِي في الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى احْتَجَّ بِعَدَمِ اسْتِكْبارِهِمْ عَلى أنَّ غَيْرَهم وجَبَ أنْ لا يَسْتَكْبِرُوا ولَوْ كانَ البَشَرُ أفْضَلَ مِنهم لَما تَمَّ هَذا الِاحْتِجاجُ، فَإنَّ السُّلْطانَ إذا أرادَ أنْ يُقَرِّرَ عَلى رَعِيَّتِهِ وُجُوبَ طاعَتِهِمْ لَهُ يَقُولُ: المُلُوكُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ طاعَتِي، فَمَن هَؤُلاءِ المَساكِينُ حَتّى يَتَمَرَّدُوا عَنْ طاعَتِي ! وبِالجُمْلَةِ فَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لا يَتِمُّ إلّا بِالأقْوى عَلى الأضْعَفِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا نِزاعَ في أنَّ المَلائِكَةَ أشَدُّ قُوَّةً وقُدْرَةً مِنَ البَشَرِ، ويَكْفِي في صِحَّةِ الِاسْتِدْلالِ هَذا القَدْرُ مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّهُ تَعالى يَقُولُ إنَّ المَلائِكَةَ مَعَ شِدَّةِ قُوَّتِهِمْ واسْتِيلائِهِمْ عَلى أجْرامِ السَّماواتِ والأرْضِ وأمْنِهِمْ مِنَ الهَرَمِ والمَرَضِ وطُولِ أعْمارِهِمْ، لا يَتْرُكُونَ العُبُودِيَّةَ لَحْظَةً واحِدَةً، والبَشَرُ مَعَ نِهايَةِ ضَعْفِهِمْ ووُقُوعِهِمْ في أسْرَعِ الأحْوالِ في المَرَضِ والهَرَمِ وأنْواعِ الآفاتِ أوْلى أنْ لا يَتَمَرَّدُوا، فَهَذا القَدْرُ مِنَ التَّفاوُتِ كافٍ في صِحَّةِ هَذا الِاسْتِدْلالِ، ولا نِزاعَ في حُصُولِ التَّفاوُتِ في هَذا المَعْنى، إنَّما النِّزاعُ في الأفْضَلِيَّةِ بِمَعْنى كَثْرَةِ الثَّوابِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لا يَصِحُّ إلّا إذا كانَ المَلِكُ أكْثَرَ ثَوابًا مِنَ البَشَرِ، ولا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ، مَعَ أنَّ المُتَبادِرَ إلى الفَهْمِ هو الَّذِي ذَكَرْناهُ ؟