Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قالُوا لَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ لَما كانَ قَوْلُهُ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ مُتَناوِلًا لَهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَناوِلًا لَهُ لاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ تَرْكُهُ لِلسُّجُودِ إباءً واسْتِكْبارًا ومَعْصِيَةً، ولَما اسْتَحَقَّ الذَّمَّ والعِقابَ، وحَيْثُ حَصَلَتْ هَذِهِ الأُمُورُ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الخِطابَ يَتَناوَلُهُ، ولا يَتَناوَلُهُ ذَلِكَ الخِطابُ إلّا إذا كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، لا يُقالُ إنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا أنَّهُ نَشَأ مَعَهم وطالَتْ مُخالَطَتُهُ بِهِمْ والتَصَقَ بِهِمْ، فَلا جَرَمَ يَتَناوَلُهُ ذَلِكَ الخِطابُ، وأيْضًا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ لَمْ يَدْخُلْ في هَذا الأمْرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِالسُّجُودِ بِلَفْظٍ آخَرَ ما حَكاهُ في القُرْآنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعْرافِ: ١٢] لِأنّا نَقُولُ: أمّا الأوَّلُ فَجَوابُهُ أنَّ المُخالَطَةَ لا تُوجِبُ ما ذَكَرْتُمُوهُ، ولِهَذا قُلْنا في أُصُولِ الفِقْهِ إنَّ خِطابَ الذُّكُورِ لا يَتَناوَلُ الإناثَ، وبِالعَكْسِ مَعَ شَدَّةِ المُخالَطَةِ بَيْنَ الصِّنْفَيْنِ، وأيْضًا فَشِدَّةُ المُخالَطَةِ بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ إبْلِيسَ لَمّا لَمْ تَمْنَعِ اقْتِصارَ اللَّعْنِ عَلى إبْلِيسَ فَكَيْفَ تَمْنَعُ اقْتِصارَ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ عَلى المَلائِكَةِ، وأمّا الثّانِي فَجَوابُهُ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، فَلَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أشْعَرَ هَذا التَّعْقِيبُ بِأنَّ هَذا الإباءَ إنَّما حَصَلَ بِسَبَبِ مُخالَفَةِ هَذا الأمْرِ لا بِسَبَبِ مُخالَفَةِ أمْرٍ آخَرَ، فَهَذا ما عِنْدِي في الجانِبَيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.