Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: هَذا خِلافُ الظّاهِرِ فَلا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصّافّاتِ: ١٥٨] قُلْنا يُحْتَمَلُ أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ أثْبَتَ ذَلِكَ النَّسَبَ في الجِنِّ كَما أثْبَتَهُ في المَلائِكَةِ، وأيْضًا فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المَلَكَ يُسَمّى جِنًّا بِحَسَبِ أصْلِ اللُّغَةِ لَكِنَّ لَفْظَ الجِنِّ بِحَسَبِ العُرْفِ اخْتَصَّ بِغَيْرِهِمْ كَما أنَّ لَفْظَ الدّابَّةِ وإنْ كانَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الأصْلِيَّةِ يَتَناوَلُ كُلَّ ما يَدِبُّ، لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُرْفِ اخْتَصَّ بِبَعْضِ ما يَدِبُّ فَتُحْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى اللُّغَةِ الأصْلِيَّةِ، والآيَةُ الَّتِي ذَكَرْناها عَلى العُرْفِ الحادِثِ.
وثانِيها: أنَّ إبْلِيسَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ والمَلائِكَةُ لا ذُرِّيَّةَ لَهم، إنَّما قُلْنا: إنَّ إبْلِيسَ لَهُ ذَرِّيَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَتِهِ ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ [الكَهْفِ: ٥٠] وهَذا صَرِيحٌ في إثْباتِ الذُّرِّيَّةِ لَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ المَلائِكَةَ لا ذُرِّيَّةَ لَهم؛ لِأنَّ الذُّرِّيَّةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، والمَلائِكَةُ لا أُنْثى فِيهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] أنْكَرَ عَلى مَن حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالأُنُوثَةِ فَإذا انْتَفَتِ الأُنُوثَةُ انْتَفى التَّوالُدُ لا مَحالَةَ فانْتَفَتِ الذُّرِّيَّةُ.