Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أيْ تِلْكَ الجِبالُ الصِّغارُ كانَتْ مُذَلَّلَةً لِحَوافِرِ الخَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦] واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ شَرْحُ تَعْظِيمِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعْلُهُ مُجَرَّدَ القِبْلَةِ لا يُفِيدُ تَعْظِيمَ حالِهِ، وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ السُّجُودَ لا شَكَّ أنَّهُ في عُرْفِ الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ في أصْلِ اللُّغَةِ كَذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّغْيِيرِ فَإنْ قِيلَ: السُّجُودُ عِبادَةٌ والعِبادَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ لا تَجُوزُ، قُلْنا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ عِبادَةٌ، بَيانُهُ أنَّ الفِعْلَ قَدْ يَصِيرُ بِالمُواضَعَةِ مُفِيدًا كالقَوْلِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّ قِيامَ أحَدِنا لِلْغَيْرِ يُفِيدُ مِنَ الإعْظامِ ما يُفِيدُهُ القَوْلُ، وما ذاكَ إلّا لِلْعادَةِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونَ في بَعْضِ الأوْقاتِ سُقُوطُ الإنْسانِ عَلى الأرْضِ وإلْصاقُهُ الجَبِينَ بِها مُفِيدًا ضَرْبًا مِنَ التَّعْظِيمِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِبادَةً، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ المَلائِكَةَ بِذَلِكَ إظْهارًا لِرِفْعَتِهِ وكَرامَتِهِ.
* * *